صديق الحسيني القنوجي البخاري
47
أبجد العلوم
فالعملي بالمعنى الأول نفس الصناعة وبالمعنى الثاني أخص من الأول لكنه أعم من هذا المعنى الثالث لعدم المزاولة ثمة بخلافها هاهنا . [ القسم ] الثاني : العلوم إما آلية أو غير آلية لأنها إما أن لا تكون في نفسها آلة لتحصيل شيء آخر بل كانت مقصودة بذواتها ، أو تكون آلة له غير مقصودة في أنفسها ، الثانية تسمى آلية ، والأولى تسمى غير آلية . ثم إنه ليس المراد بكون العلم في نفسه آلة إذ الآلية ذاتية لأن الآلية للشيء تعرض له بالقياس إلى غيره ، وما هو كذلك وليس ذاتيا بل المراد أنه في حد ذاته بحيث إذا قيس إلى ما هو آلة تعرض له الآلية ولا يحتاج في عروضها له إلى غيره . كما أن الإمكان الذاتي لا يعرض للشيء إلا بالقياس إلى وجوده ، والتسمية بالآلية بناء على اشتمالها على الآلة ، فإن العلم الآلي مسائل كل منها ما يتوصل له إلى ما هو آلة له وهو الأظهر إذ لا يتوصل لجميع علم إلى علم . ثم اعلم أن مؤدى التقسيمين واحد إذ التقسيمان متلازمان ، فإن ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره لا بدّ أن يكون متعلقا بكيفية تحصيله . فهو متعلق بكيفية عمل ، وما يتعلق بكيفية عمل لا بدّ أن يكون في نفسه آلة لتحصيل غيره فقد رجع معنى الآلي إلى معنى العملي . وكذا ما لا يكون آلة له ، كذلك لم يكن متعلقا بكيفية عمل وما لم يتعلق بكيفيّة عمل لم يكن في نفسه آلة لغيره ، فقد رجع معنى النظري وغير الآلي إلى شيء واحد . ثم اعلم أن غاية العلوم الآلية أي العلة الغائية لها حصول غيرها ، وذلك لأنها متعلقة بكيفية عمل ومبينة لها . فالمقصود منها حصول العمل سواء كان ذلك العمل مقصودا بالذات أو مقصودا لأمر آخر يكون هو غاية أخيرة لتلك العلوم . وغاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها ، وذلك لأنها في حد أنفسها مقصودة بذواتها . وإن أمكن أن يترتب عليها منافع أخرى فإن إمكان الترتيب الاتفاقي بل وقوعه لا ينافي كون المرتب عليه مقصودا بالذات ، إنما المنافي له قصد الترتب . والحاصل أن المراد بالغاية هي الغاية الذاتية التي قصدها المخترع الواضع ، لا الغاية التي كانت حاملة للشارع على الشروع . فإن الباعث للشارع على الشروع في العلوم الآلية يجوز أن يكون حصولها أنفسها ، وفي العلوم الغير الآلية يجوز أن يكون زائدا على أنفسها . فإن قيل : غاية الشيء علة له ، ولا يتصور كون الشيء علة لنفسه فكيف يتصور كون غاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها ؟ قيل : الغاية تستعمل على وجهين ، أحدهما : أن يكون مضافا إلى الفعل وهو الأكثر ، يقال غاية هذا الفعل كذا تكون الغاية مترتبة على نفس ذي الغاية وتكون علة لها . الثاني : أن يكون مضافا إلى المفعول ، يقال غاية